الذهبي
319
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فقال ذلك لأبي بكر ، فلبث يعبد ربّه ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره ، ثم بدا لأبي بكر ، فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز ، فيصلّي فيه ويقرأ القرآن ، فيتقصّف [ ( 1 ) ] عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون وينظرون إليه ، وكان أبو بكر لا يكاد يملك دمعه حين يقرأ ، فأفزع ذلك أشراف قريش [ ( 2 ) ] فأرسلوا إلى ابن الدّغنّة ، فقدم عليهم ، فقالوا له : إنّا كنّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربّه في داره ، وإنّه جاوز ذلك ، وابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن الصّلاة والقراءة ، وإنّا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فأته [ ( 3 ) ] فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل ، وإن أبى إلّا أن يعلن ذلك فسله أن يردّ عليك جوارك ، فإنّا قد كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدّغنّة أبا بكر فقال : قد علمت الّذي عقدت لك عليه ، فإمّا أن تقتصر على ذلك ، وإمّا أن تردّ إليّ [ ( 4 ) ] ذمّتي ، فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أنّي أخفرت في رجل عقدت له ، قال أبو بكر : أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار اللَّه . والنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم يومئذ بمكة ، فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم للمسلمين : قد أريت دار هجرتكم ، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين . هما الحرّتان [ ( 5 ) ] ، فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة .
--> [ ( 1 ) ] أي يزدحم ، وهنا في ( ع ) اضطراب في النّص . وفي الصحيح « ينقذف » . [ ( 2 ) ] في الصحيح « قريش من المشركين » . [ ( 3 ) ] في صحيح الإمام البخاري ( فانهه ) ، وفي الأصل ( فأته ) وكذلك في ( دلائل النبوّة للبيهقي ) . [ ( 4 ) ] في المنتقى لابن الملا : ( تردّ عليّ ) وهو مخالف لما في الأصل وصحيح الإمام البخاري ، والبيهقي . [ ( 5 ) ] الحرّة : الأرض ذات الحجارة السّود .